ملا محمد مهدي النراقي
92
جامع السعادات
وأما من غرضه نيل الثواب والخلاص من العقاب ، نظرا إلى أنه لم يعرف من الله سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا قاهرا عالما ، وإن له جنة ينعم بها المطيعين ، ونارا يعذب بها العاصين ، فعبده ليفوز بجنته أو يتخلص من ناره : فجزاءه بمقتضى نيته أن يدخل جنته ، وينجيه من ناره ، لأن جزاء الأعمال حسب النيات ، كما أخبر الله - تعالى - عنه في غير موضع من كتابه ، فإن لكل امرء ما نوى ، ولا تصغي إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها الثواب أو الخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد منافي للخلاص الذي هو أراد وجه الله وحده ، أن من قصد ذلك أنما قصد جلب النفع إلى نفسه ، ودفع الضرر عنها ، لا وجه الله - سبحانه - ، فإن هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها ، بل ولا معرفة له بمعنى النية وحقيقتها ، فإن حقيقة النية عبارة من انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها ، إما عاجلا أو آجلا ، لا مجرد قول الناوي عند العبادة : أفعل كذا قربة إلى الله ، ومجرد تصور هذا القول بخاطره وملاحظته بقلبه وأن لم يكن لنفسه انبعاث إلى التقرب ، هيهات هيهات ! أنما هذا تحريك لسان وحديث نفس ، وما ذلك إلا كقول الشبعان : أشتهي هذا الطعام ، قاصدا حصول الاشتهاء ، وهذا الانبعاث إذا لم يكن حاصلا للنفس لا يمكنها اختراعه واكتسابه لمجرد القول والتصور ، وأكثر الناس تتعذر منهم العباد ابتغاء لوجه الله وتقربا إليه ، لأنهم لا يعرفون من الله - تعالى - إلا المرجو والمخوف ، فغاية مرتبتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابا ، ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها ، وخصوصا من كان ملتفتا إلى الدنيا ، فإنه قل ما تنبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة ، فضلا عن عبادته على نية أجلال الله - تعالى - لاستحقاقة الطاعة والعبودية ، فإنه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها ، فلو كلف بها لكان تكليفا بما لا يطاق ، وليس معنى الإخلاص في العبادة إلا عدم كونها مشبوهة بشوائب الدنيا والحضور العاجلة للنفس ، كمدح الناس ، ونيل المال ، والخلاص من النفقة لعتق العبد ونحو ذلك ، وظاهر أنه لا تنافيه إرادة الجنة والخلاص من النار بما وعد في الآخرة ، وإن